*قوت القلوب*
02-05-2007, 08:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مشاعر ابويه صادقة فرحه بابنه لحفظه القرآن - ماشاء الله تبارك الرحمن -
لاحرمني الله ولااياكم من ذرية صالحة حافظة لكتابه عامله بما فيه متدبره معانيه
*
د.خالد بن سعود الحليبي 5/8/1427
29/08/2006
شوقٌ وظمأ
أيها الآباء السعداء بمنة الله، من قرّت عيونهم بحفظ أنجالهم كتاب الله، فاستبشروا برحمة من الله وفضل.
يا حفَظَة الكتاب العزيز، ويا قبس النور الوضيء؛ الذي ظمئت الأمة إلى زمزمه الطهور، حتى تشققت شفتاها.
كما تعشق الأهلة أنوار الشمس الآتية من بعيد لتكتمل بدوراً.
كما تتهجّى الألسنة الغضة أبجدية الحياة: لتقول شيئاً .. لتفعل شيئاً .. لتكون شيئاً..
كما تتعلق النفس العاشقة بأمنية ترى في تحققها اكتمال سعادتها ..
كانت أمنيتي .. وأمنية كل أب هنا .. وأم هناك .. أن يأتي اليوم الذي أسمع فيه نبأ ختم ابني كتاب الله الكريم..
كنت أترجل طريق الثواني حافياً، تدمى أصابعي، يثرثر جلدي دماً، وقلبي شوقاً عارماً..
وجاءت البشرى
وجاء اليوم المنتظر يتهادى مع نسائم الإيمان .. نسائم هبّت من هنا .. من المكان الذي شرّفه الله بإنزال القرآن فيه .. جاء الهاتف .. جاءت البشرى .. لقد حفظ ابنك القرآن الكريم كاملاً ..
مطرٌ .. أنهرٌ .. بحارٌ تلاقت كلُّ ذا صار في داخلي طوفانا
نعم .. لا أخفيكم .. تلاطمت أمواج من المشاعر لا قِبل لي بها .. تمنّيت أن تكون ـ يا سعود ـ إلى جانبي؛ لأضمّك ضمّة تروي أبا كواه البعد والشوق والحب، وأشمّك شمّة ترضي مسام روحي، وتفرح حمامة الانتظار التي ما كانت لتكفّ عن هديلها المفجع، ولا تقوى أن تعود إليها ـ بعد كل هذا البعد ـ دون أن تظفر ـ يا حبيبي ـ بطلبتك، وتهنأ بفوزك، وتتضلع بالقرآن ضلوعك.
لقد كنت أحتضن هذه الأمنية لنفسي .. ولأولادي جميعاً .. وها ولدي البكر يحققها لي وله المولى عز وجل .. فو ربّ هذا البيت: إنها لأعز عندي من كل شهادات الدنيا، وكل وجاهاتها.
أبُنيّ .. أية مشاعر تلك التي انفجرت في نفسي فجأة حين بلغت بختمك .. كأني لم أكن أحسب لذلك حساباً لا أدري لماذا أحسست بالموقف ينقلني فجأة إلى يوم القيامة، حين يجيء القرآن الذي أسهرك وغرّبك فيقول: "يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة. ثم يقول: يا رب زِده فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارضَ عنه، فيُقال: اقرأ وارقَ ويزاد بكل آية حسنة". [حديث حسن، صحيح الجامع8030].
نعم .. لقد تحسّست رأسي فوراً .. ها تاج الوقار يحطّ على مفرقي ومفرق أمك، كدت أهرع إلى المرآة لأتخيله.. ها حلة الكرامة تقدمها الملائكة لك ولي ولأمك .. هذا ظني في الله، والله أكرم من أن يردّ مَن ظن به خيراً.. تقبّل الله مني ومنك. "إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب يقول: هل تعرفني؟ فيقول له: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن، الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل [تجارة]، قال: فيُعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويُوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكسى والداه حلتين، لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيُقال: بأخذ ولدكما القرآن)). وفي حديث آخر: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجاً يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا". [رواه أو داود].
شهران من حرارة النوى
شهران من البعد كانا موجعين لقلوبنا جميعا أنت وأنا وأمك وجدّاك؛ اللذان جاءا من شرق الجزيرة إلى غربها ليشهدوا هذا العرس البهيج، الذي هو أعز عندي وأهنأ من كل أعراس الحياة.
كانت حرارة الشوق أشد وأعتى من أن يطفئها صوتك المخنوق .. الذي يطل علينا كل ظهيرة كما يطل النفس على الغريق، ولكننا كنا نحتسب كل ذلك عند الله.. ونبتهل إليه بالدعاء أن يتمم لك حلمك العظيم.
كنا نقيس ارتياحك .. وصحتك .. وإنجازك من خلال تلك النبرات المتأرجحة بين الفرحة والضيق .. من خلال هذا الأثير المحدود .. المنبعث من ثقوب الصبر والاصطبار .. فقد تخفي تعبك ومرضك من أجلنا .. ولكن هيهات .. فللأبوين حاسة لا تخونهما أبداً بإذن الله.. فكنا نخفي عنك أنيناً نتقاسمه فيما بعد على سرير الانتظار .. ودموعاً كان كل منا يخفيها عن الآخر .. ولكنها كانت تفيض دون استئذان.
وإذا تحدّثنا إلى المشرفين على دورتكم المكثفة .. وجدنا ما يسكب الطُّمأنينة في قلوبنا المنتظرة المصابرة .. إنهم يقيسون نجاحهم بما يتحقق لك ولزملائك من إنجاز وأدب وصبر في سبيل العلم .. فلا نلبث أن نتهامس .. سنرسل أخاك السنة القادمة إن شاء الله.. متجاهلين كل تلك العذابات النفسية المتتابعة على قلوبنا.
وشاء الله أن نلتقي مَن سمعنا عنهم من مشرفيك .. فإذا بنا نشعر بالتضاؤل الشديد أمام قاماتهم العملاقة .. تركوا الأهل والبلد، وانقطعوا لهذا العمل الجليل يرجون الله واليوم الآخر ..وجوه شاحبة .. وعيون ساهرة .. وهالات تحف بوجنات مجهدة .. تحكي صرير أقلام لا تعمل إلا إذا هجعت الأعين، وارتاحت الأبدان، ورحلت النفوس النقية إلى بارئها عز وجل .. تأنس به .. ثم تعود مع انبلاج كل فجر لتأتلف الروح بما نزل به الروح، وتتنافس الألباب في حفظ ما أنزل غذاء للألباب.
مع السفرة
هنيئاً لك كل هذا الخير الذي يستحق أن تُباع له الدنيا وما حوت لتُشرى منه لحظة واحدة .. وهنيئاً لمن أنفق على هذه الدورة، ومن قام عليها وضحّى هنيئاً.
والآن .. يا بني .. أحسبك -والله حسيبك- أنك أصبحت من أهل القرآن أهل الله وخاصته، فأذكرك عهداً قريباً .. لقد كنت في روضات من الجنات؛ تتلو كتاب الله ليل نهار .. مع قوم هم من خيار قومك .. أحسبهم كذلك والله حسيبهم، ولا أزكّي على الله أحداً، تتلون كتاب الله وتتدارسونه فيما بينكم، في أعظم بيت لله تعالى، فلا غرو أن يتيسر لكم الذكر، وتنزل عليكم السكينة، وتغشاكم الرحمة، وتحفكم الملائكة ويذكركم الله فيمن عنده.
لقد رفع الله قدرك، حتى جعل إكرامك وإكرام إخوانك من إجلاله عز وجل، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط".
لا بل أنت مع الملائكة ففي الصحيحين: "مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده، وهو عليه شديد فله أجران".
ولكن اعلم يا بني .. إن كل هذا الفضل العظيم لن تحصل عليه إلا إذا كانت نيتك صافية نقية، فإن الله أغنى الأغنياء عن الشرك، فلا تطلب بالقرآن دنيا، لأن الدنيا كلها لا تزن حرفاً من هذا الكتاب العزيز الذي حفظت. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من تعلّم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرف الجنة يوم القيامة". يعنى ريحها [صحيح الجامع: 6159].
ولا تجعله مجالا للتفاخر والتباهي أو وسيلة إلى جدل عقيم، حتى يُبارك لك فيه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار" [صحيح الجامع 7370 ]. وتذكر حديث أبى هريرة -رضي الله عنه- حين قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يُدعى به رجل جمع القرآن، ورجل يُقتل في سبيل الله، ورجل كثير المال فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب. قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل و آناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يُقال أن فلاناً قارئ فقد قيل ذاك .." الحديث، وفى رواية مسلم: "ولكنك قرأت القرآن ليُقال قارئ فقد قيل ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار". [صحيح مسلم واللفظ لغيره].
قد رشحوك لأمرٍ لو فطنْتَ له
فاربأْ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
الدعاء .. يا بني
واعلم أنك منذ هذا اليوم قد بدأت رحلة جديدة مع كتاب الله، لا يكفيها قراءة من قلب لاهٍ، ولا مراجعة محدودة، وهو الكنز النفيس، الذي لا يصح أن يغفل عنه صاحبه. ولكن لا تتكل على جهدك، بل ألح على الله في الدعاء، فإني سمعت الله تعالى يقول: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). [القمر:17]، قال ابن عباس: "لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل"، وقال مطر الوراق: في قول الله تعالى (فهل من مدكر) أي فهل من طالب علم فيُعان عليه، وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (سنقرئك فلا تنسى) [الأعلى:6]، فهو وحده سبحانه القادر على أن يجعل العبد يقرأ فلا ينسى. فإذا أردت حفظه فالجأ إلى الله -عز وجل- داعياً متضرعاً في الأوقات التي يُرجى فيها قبول الدعاء؛ كجوف الليل، وأدبار الصلوات، كأن تقول: اللهم علّمنا من القرآن ما جهلنا وذكّرنا منه ما نسينا، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك، وترزقني تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عني.
واعلم أنك إذا أعطيته حقه من التلاوة والمراجعة فإنك ستكون أولى الناس بغبطة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا حسد إلاّ في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار". (البخاري ومسلم) .
احتفظ بكنزك
ولكن القرآن ـ وهو أعظم علم يُؤتاه العبد ـ يريد نقاء من المعاصي والذنوب؛ ليبقى؛ قال الإمام النووي رحمه الله: "وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره، فقد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".[رواه الشيخان]. وقد أخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً قال: "ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه لأن الله يقول: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) [الشورى30]، ثم قال الضحاك :وأي مصيبة أكبر من نسيان القرآن".
وعليك ـ يا بني ـ بالصبر والعزيمة القوية، فكلما داومت على الحفظ وصبرت على ما تجده من المشقة في أول الأمر وجدت تيسيراً وهذه سنة الله عز وجل: (فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا). [الشرح 5-6]، (سيجعل الله بعد عسر يسرا). [الطلاق 7] (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) [يوسف90].
وقد علم المتقنون أن سر إتقانهم هو القيام بالكتاب ليلاً، قال تعالى: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) [آل عمران 113]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه" رواه مسلم.
القرآن خلق وسلوك
أبنيّ الحبيب .. لقد كنت أحبك .. ولكني اليوم أحبك وأجلك لما تحمله من كلام الله تعالى، واعلم أنك قد قطعت نصف الطريق إلى الخيرية الواردة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، فكما تعلمت فعلم. لتتواصل قافلة الخير حتى قيام الساعة، وتكون أنت واحداً من سند القرآن الذهبي الذي فاز به الأخيار عبر الأزمان.
ولكن العلم دون العمل وبال على صاحبه، فتذكّر دائما ًحديث عائشة -رضي الله عنها- حين سئلت عن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "كان خلقه القرآن" [صحيح مسلم]، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "القرآن حجة لك أو عليك".[صحيح مسلم].
ولذلك حثك السلف الصالح ومن صلح من الخلف على أن تكون متميزاً في خلقك وسمتك وعبادتك ووقارك؛ حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون".
هذه مشاعر ابويه صادقة فرحه بابنه لحفظه القرآن - ماشاء الله تبارك الرحمن -
لاحرمني الله ولااياكم من ذرية صالحة حافظة لكتابه عامله بما فيه متدبره معانيه
*
د.خالد بن سعود الحليبي 5/8/1427
29/08/2006
شوقٌ وظمأ
أيها الآباء السعداء بمنة الله، من قرّت عيونهم بحفظ أنجالهم كتاب الله، فاستبشروا برحمة من الله وفضل.
يا حفَظَة الكتاب العزيز، ويا قبس النور الوضيء؛ الذي ظمئت الأمة إلى زمزمه الطهور، حتى تشققت شفتاها.
كما تعشق الأهلة أنوار الشمس الآتية من بعيد لتكتمل بدوراً.
كما تتهجّى الألسنة الغضة أبجدية الحياة: لتقول شيئاً .. لتفعل شيئاً .. لتكون شيئاً..
كما تتعلق النفس العاشقة بأمنية ترى في تحققها اكتمال سعادتها ..
كانت أمنيتي .. وأمنية كل أب هنا .. وأم هناك .. أن يأتي اليوم الذي أسمع فيه نبأ ختم ابني كتاب الله الكريم..
كنت أترجل طريق الثواني حافياً، تدمى أصابعي، يثرثر جلدي دماً، وقلبي شوقاً عارماً..
وجاءت البشرى
وجاء اليوم المنتظر يتهادى مع نسائم الإيمان .. نسائم هبّت من هنا .. من المكان الذي شرّفه الله بإنزال القرآن فيه .. جاء الهاتف .. جاءت البشرى .. لقد حفظ ابنك القرآن الكريم كاملاً ..
مطرٌ .. أنهرٌ .. بحارٌ تلاقت كلُّ ذا صار في داخلي طوفانا
نعم .. لا أخفيكم .. تلاطمت أمواج من المشاعر لا قِبل لي بها .. تمنّيت أن تكون ـ يا سعود ـ إلى جانبي؛ لأضمّك ضمّة تروي أبا كواه البعد والشوق والحب، وأشمّك شمّة ترضي مسام روحي، وتفرح حمامة الانتظار التي ما كانت لتكفّ عن هديلها المفجع، ولا تقوى أن تعود إليها ـ بعد كل هذا البعد ـ دون أن تظفر ـ يا حبيبي ـ بطلبتك، وتهنأ بفوزك، وتتضلع بالقرآن ضلوعك.
لقد كنت أحتضن هذه الأمنية لنفسي .. ولأولادي جميعاً .. وها ولدي البكر يحققها لي وله المولى عز وجل .. فو ربّ هذا البيت: إنها لأعز عندي من كل شهادات الدنيا، وكل وجاهاتها.
أبُنيّ .. أية مشاعر تلك التي انفجرت في نفسي فجأة حين بلغت بختمك .. كأني لم أكن أحسب لذلك حساباً لا أدري لماذا أحسست بالموقف ينقلني فجأة إلى يوم القيامة، حين يجيء القرآن الذي أسهرك وغرّبك فيقول: "يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة. ثم يقول: يا رب زِده فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارضَ عنه، فيُقال: اقرأ وارقَ ويزاد بكل آية حسنة". [حديث حسن، صحيح الجامع8030].
نعم .. لقد تحسّست رأسي فوراً .. ها تاج الوقار يحطّ على مفرقي ومفرق أمك، كدت أهرع إلى المرآة لأتخيله.. ها حلة الكرامة تقدمها الملائكة لك ولي ولأمك .. هذا ظني في الله، والله أكرم من أن يردّ مَن ظن به خيراً.. تقبّل الله مني ومنك. "إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب يقول: هل تعرفني؟ فيقول له: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن، الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل [تجارة]، قال: فيُعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويُوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكسى والداه حلتين، لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيُقال: بأخذ ولدكما القرآن)). وفي حديث آخر: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجاً يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا". [رواه أو داود].
شهران من حرارة النوى
شهران من البعد كانا موجعين لقلوبنا جميعا أنت وأنا وأمك وجدّاك؛ اللذان جاءا من شرق الجزيرة إلى غربها ليشهدوا هذا العرس البهيج، الذي هو أعز عندي وأهنأ من كل أعراس الحياة.
كانت حرارة الشوق أشد وأعتى من أن يطفئها صوتك المخنوق .. الذي يطل علينا كل ظهيرة كما يطل النفس على الغريق، ولكننا كنا نحتسب كل ذلك عند الله.. ونبتهل إليه بالدعاء أن يتمم لك حلمك العظيم.
كنا نقيس ارتياحك .. وصحتك .. وإنجازك من خلال تلك النبرات المتأرجحة بين الفرحة والضيق .. من خلال هذا الأثير المحدود .. المنبعث من ثقوب الصبر والاصطبار .. فقد تخفي تعبك ومرضك من أجلنا .. ولكن هيهات .. فللأبوين حاسة لا تخونهما أبداً بإذن الله.. فكنا نخفي عنك أنيناً نتقاسمه فيما بعد على سرير الانتظار .. ودموعاً كان كل منا يخفيها عن الآخر .. ولكنها كانت تفيض دون استئذان.
وإذا تحدّثنا إلى المشرفين على دورتكم المكثفة .. وجدنا ما يسكب الطُّمأنينة في قلوبنا المنتظرة المصابرة .. إنهم يقيسون نجاحهم بما يتحقق لك ولزملائك من إنجاز وأدب وصبر في سبيل العلم .. فلا نلبث أن نتهامس .. سنرسل أخاك السنة القادمة إن شاء الله.. متجاهلين كل تلك العذابات النفسية المتتابعة على قلوبنا.
وشاء الله أن نلتقي مَن سمعنا عنهم من مشرفيك .. فإذا بنا نشعر بالتضاؤل الشديد أمام قاماتهم العملاقة .. تركوا الأهل والبلد، وانقطعوا لهذا العمل الجليل يرجون الله واليوم الآخر ..وجوه شاحبة .. وعيون ساهرة .. وهالات تحف بوجنات مجهدة .. تحكي صرير أقلام لا تعمل إلا إذا هجعت الأعين، وارتاحت الأبدان، ورحلت النفوس النقية إلى بارئها عز وجل .. تأنس به .. ثم تعود مع انبلاج كل فجر لتأتلف الروح بما نزل به الروح، وتتنافس الألباب في حفظ ما أنزل غذاء للألباب.
مع السفرة
هنيئاً لك كل هذا الخير الذي يستحق أن تُباع له الدنيا وما حوت لتُشرى منه لحظة واحدة .. وهنيئاً لمن أنفق على هذه الدورة، ومن قام عليها وضحّى هنيئاً.
والآن .. يا بني .. أحسبك -والله حسيبك- أنك أصبحت من أهل القرآن أهل الله وخاصته، فأذكرك عهداً قريباً .. لقد كنت في روضات من الجنات؛ تتلو كتاب الله ليل نهار .. مع قوم هم من خيار قومك .. أحسبهم كذلك والله حسيبهم، ولا أزكّي على الله أحداً، تتلون كتاب الله وتتدارسونه فيما بينكم، في أعظم بيت لله تعالى، فلا غرو أن يتيسر لكم الذكر، وتنزل عليكم السكينة، وتغشاكم الرحمة، وتحفكم الملائكة ويذكركم الله فيمن عنده.
لقد رفع الله قدرك، حتى جعل إكرامك وإكرام إخوانك من إجلاله عز وجل، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط".
لا بل أنت مع الملائكة ففي الصحيحين: "مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده، وهو عليه شديد فله أجران".
ولكن اعلم يا بني .. إن كل هذا الفضل العظيم لن تحصل عليه إلا إذا كانت نيتك صافية نقية، فإن الله أغنى الأغنياء عن الشرك، فلا تطلب بالقرآن دنيا، لأن الدنيا كلها لا تزن حرفاً من هذا الكتاب العزيز الذي حفظت. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من تعلّم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرف الجنة يوم القيامة". يعنى ريحها [صحيح الجامع: 6159].
ولا تجعله مجالا للتفاخر والتباهي أو وسيلة إلى جدل عقيم، حتى يُبارك لك فيه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار" [صحيح الجامع 7370 ]. وتذكر حديث أبى هريرة -رضي الله عنه- حين قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يُدعى به رجل جمع القرآن، ورجل يُقتل في سبيل الله، ورجل كثير المال فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب. قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل و آناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يُقال أن فلاناً قارئ فقد قيل ذاك .." الحديث، وفى رواية مسلم: "ولكنك قرأت القرآن ليُقال قارئ فقد قيل ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار". [صحيح مسلم واللفظ لغيره].
قد رشحوك لأمرٍ لو فطنْتَ له
فاربأْ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
الدعاء .. يا بني
واعلم أنك منذ هذا اليوم قد بدأت رحلة جديدة مع كتاب الله، لا يكفيها قراءة من قلب لاهٍ، ولا مراجعة محدودة، وهو الكنز النفيس، الذي لا يصح أن يغفل عنه صاحبه. ولكن لا تتكل على جهدك، بل ألح على الله في الدعاء، فإني سمعت الله تعالى يقول: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). [القمر:17]، قال ابن عباس: "لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل"، وقال مطر الوراق: في قول الله تعالى (فهل من مدكر) أي فهل من طالب علم فيُعان عليه، وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (سنقرئك فلا تنسى) [الأعلى:6]، فهو وحده سبحانه القادر على أن يجعل العبد يقرأ فلا ينسى. فإذا أردت حفظه فالجأ إلى الله -عز وجل- داعياً متضرعاً في الأوقات التي يُرجى فيها قبول الدعاء؛ كجوف الليل، وأدبار الصلوات، كأن تقول: اللهم علّمنا من القرآن ما جهلنا وذكّرنا منه ما نسينا، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك، وترزقني تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عني.
واعلم أنك إذا أعطيته حقه من التلاوة والمراجعة فإنك ستكون أولى الناس بغبطة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا حسد إلاّ في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار". (البخاري ومسلم) .
احتفظ بكنزك
ولكن القرآن ـ وهو أعظم علم يُؤتاه العبد ـ يريد نقاء من المعاصي والذنوب؛ ليبقى؛ قال الإمام النووي رحمه الله: "وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره، فقد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".[رواه الشيخان]. وقد أخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً قال: "ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه لأن الله يقول: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) [الشورى30]، ثم قال الضحاك :وأي مصيبة أكبر من نسيان القرآن".
وعليك ـ يا بني ـ بالصبر والعزيمة القوية، فكلما داومت على الحفظ وصبرت على ما تجده من المشقة في أول الأمر وجدت تيسيراً وهذه سنة الله عز وجل: (فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا). [الشرح 5-6]، (سيجعل الله بعد عسر يسرا). [الطلاق 7] (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) [يوسف90].
وقد علم المتقنون أن سر إتقانهم هو القيام بالكتاب ليلاً، قال تعالى: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) [آل عمران 113]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه" رواه مسلم.
القرآن خلق وسلوك
أبنيّ الحبيب .. لقد كنت أحبك .. ولكني اليوم أحبك وأجلك لما تحمله من كلام الله تعالى، واعلم أنك قد قطعت نصف الطريق إلى الخيرية الواردة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، فكما تعلمت فعلم. لتتواصل قافلة الخير حتى قيام الساعة، وتكون أنت واحداً من سند القرآن الذهبي الذي فاز به الأخيار عبر الأزمان.
ولكن العلم دون العمل وبال على صاحبه، فتذكّر دائما ًحديث عائشة -رضي الله عنها- حين سئلت عن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "كان خلقه القرآن" [صحيح مسلم]، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "القرآن حجة لك أو عليك".[صحيح مسلم].
ولذلك حثك السلف الصالح ومن صلح من الخلف على أن تكون متميزاً في خلقك وسمتك وعبادتك ووقارك؛ حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون".